أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

43

نثر الدر في المحاضرات

من سفلة الناس والرعية وحشو العامّة ، ولم يجتمع رئيس في الدين مسرّ ورئيس في الملك معلن في مملكة واحدة إلا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس في الملك ؛ لأن الدين أسّ ، والملك عماد ، وصاحب الأسّ أولى بجميع البنيان من صاحب العماد . وقد مضى قبلنا ملوك كان الملك منهم يتعهّد الجملة بالتفتيش ، والجماعات بالتفصيل ، والفراغ وكانوا بالأشغال ، كتعهّده جسده بقصّ فضول الشعر والظفر ، وغسل الدّرن والغمر ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن . وقد كان من أولئك الملوك من صحّة ملكه أحبّ إليه من صحة جسده ، وكان بما يخلّفه من الذكر الجميل المحمود أفرح وأبهج منه بما يسمعه بأذنه في حياته ، فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم ملك واحد ، وكأن أرواحهم روح واحدة ، يمكّن أوّلهم لآخرهم ، ويصدّق آخرهم أوّلهم ، تجتمع أنباء أسلافهم ومواريث آرائهم وصياغات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم ، فكأنهم جلوس معه يحدّثونه ، ويشاورونه ، حتى كان على رأس دارا بن دارا ما كان من غلبة الإسكندر على ما غلب عليه من ملكنا ، فكان إفساده أمرنا ، وتفريقه جماعتنا ، وتخريبه عمران مملكتنا أبلغ له فيما أراد من سفك دمائنا . فلما أذن اللّه في جمع مملكتنا ودولة أحسابنا كان من ابتعاثه إيانا ما كان « وبالاعتبار يتّقى العثار » ، ومن يخلفنا أوجد للاعتبار منا ؛ لما استدبروا من أعاجيب ما مرّ علينا . اعلموا أن سلطانكم إنما هو على أجساد الرعية ، وأنه لا سلطان للملوك على القلوب . واعلموا أنكم إن غلبتم الناس على ما في أيديهم فلن تغلبوهم على عقولهم . واعلموا أن العاقل المحروم سالّ عليكم لسانه ، وهو أقطع سيفيه ، وأن أشد ما يضربكم به من لسانه ما صرف الحيلة فيه إلى الدّين ، فكان بالدّين يحتجّ ، وللدين ، فيما يظهر ، يغضب فيكون للدين بكاؤه ، وإليه دعاؤه ، ثم هو أوجد للتابعين والمصدّقين والمناصحين والموالين والمؤازرين منكم ، لأن بغضة الناس موكلة بالملوك ، ومحبّتهم ورحمتهم موكلة بالضعفاء المغلوبين .